عبد الرحمن السهيلي
250
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
بالشرع ، وقد كشفنا معناها بغاية البيان في شرح قوله عليه السلام : إن الله تعالى جميل يحب الجمال ونبهنا هنالك على تقصير أبي المعالي رحمه الله في شرح المحبة في كتاب الإرادة من كتاب الشامل فلتنظر هنالك . شرح الخطبة : وقوله عليه السلام : لا تملوا كلام الله وذكره ، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي . الهاء في قوله : فإنه لا يجوز أن تكون عائدةً على كلام الله سبحانه ، ولكنها ضمير الأمر والحديث ، فكأنه قال : إن الحديث من كل ما يخلق الله يختار ، فالأعمال إذاً كلها من خلق الله قد اختار منها ما شاء قال سبحانه : « وربك يَخْلُقُ ما يشاء ويَخْتار » القصص ، وقوله : قد سماه خيرته من الأعمال ، يعني : الذكر ، وتلاوة القرآن ؛ لقوله سبحانه : ويختار ، فقد اختاره من الأعمال . وقوله : والمصطفى من عباده ، أي : وسمى المصطفى من عباده بقوله : « اللّه يَصْطَفِي من الملائكةِ رُسُلاً ومن الناس » الحج ويجوز أن يكون معناه المصطفى من عباده أي : العمل الذي اصطفاه منهم واختاره من أعمالهم ، فلا تكون من على هذا للتبعيض ، إنما تكون لابتداء الغاية ، لأنه عمل استخرجه منهم بتوفيقه إياهم . والتأويل الأول أقرب مأخذاً والله أعلم بما أراد رسوله . وقوله في أول الخطبة : إن الحمد لله أحمده هكذا برفع الدال من قوله : الحمد لله وجدته مقيداً مصححاً عليه ، وإعرابه ليس على الحكاية ، ولكن على إضمار الأمر كأنه قال : إن الأمر الذي أذكره ، وحذف الهاء العائدة على الأمر كي لا يقدم شيئاً في اللفظ من الأسماء على قوله : الحمد لله ، وليس تقديم إن في اللفظ من باب تقديم الأسماء ، لأنها حرف مؤكد لما بعده مع ما في اللفظ من التحري للفظ القرآن والتيمن به ، والله أعلم . أماكن الخطبة : وكانت خطبته في تلك الأيام على جذع ، فلما صنع له المنبر من طرفاء الغابة ، وصنعه له عبد لامرأة من الأنصار اسمه باقوم خار الجذع خوار الناقة الخلوج ، حتى نزل عليه السلام ، فالتزمه ، وقال : لو لم ألتزمه ما زال يخور إلى يوم القيامة ، ثم دفنه ، وإنما دفنه ، لأنه قد صار حكمه حكم المؤمن لحبه وحنينه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا ينظر إلى قوله تعالى : « كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ » إبراهيم الآية ، وإلى قوله عليه السلام في النخلة : مثلها كمثل المؤمن ، وحديث خوار الجذع وحنينه منقول نقل الواتر لكثرة من شاهد خواره من الخلق وكلهم نقل ذلك ، أو سمعه من غيره فلم ينكره . كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينه وبين اليهود شرط لهم فيه ، وشرط عليهم ، وأمنهم فيه على أنفسهم وأهليهم وأموالهم ، وكانت أرض يثرب لهم قبل نزول الأنصار بها ، فلما كان سيل العرم ، وتفرقت سبا نزلت الأوس والخزرج بأمر طريفة الكاهنة ، وأمر عمران بن عامر ، فإنه كان كاهناً أيضاً وبما سجعت به لكل قبيلة من سبا ، فسجعت لبني حارثة بن ثعلبة . وهم الأوس والخزرج أن ينزلوا يثرب ذات النخل فنزلوها على يهود وحالفوهم وأقاموا معهم ، فكانت الدار واحدةً . أصل اليهود ومتى دحلوا يثرب : والسبب في كون اليهود بالمدينة ، وهي وسط أرض العرب مع أن اليهود أصلهم من أرض كنعان أن بني إسرائيل كانت تغير عليهم العماليق من أرض الحجاز ، وكانت منازلهم يثرب والجحفة إلى مكة ، فشكت بنو إسرائيل ذلك إلى موسى ، فوجه إليهم جيشاً ، وأمرهم أن يقتلوهم ، ولا يبقوا منهم أحداً ، ففعلوا وتركوا منهم ابن ملك لهم كان غلاماً حسناً ، فرقوا له ، ويقال للملك : الأرقم بن أبي الأرقم فيما ذكر الزبير ثم